عبد الله بن أبي بكر وعشقه لعاتكة
عبد الله بن أبي بكر الصديق عشق عاتكة بنت زيد فكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لا يشتغل بسواها ثم قدم عليه تجارة من الشام فخرج ليتعاطى أمرها، فخيل له حين خرج أنه لم ينظر إلى عاتكة، فعاد في الأثر فجلس معها وترك التجارة، فلما كان يوم جمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له أجمعت، فقال وهل صلى الناس، فقال قد ألهتك عاتكة عن التجارة فلم نهتم في ذلك ولم نقل شيئاً وقد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها طلقة واعتزلت ناحية، قال:
| يقولون طلقها وخيم مكانها | مقيماً تمني النفس أحلام نائم |
| وإن فراقي أهل بيتي جميعهم | على كره منى لإحدى العظائم |
ولما كان الليل قلق عبد الله بن أبي بكر قلقاً شديداً فأنشد:
| وما ناح قمري الحمام المطوّق | مأعاتك لا أنساك ما ذر شارق |
| وخلق سوى في حياء ومصدق | لها منطق جزل ورأي ومنصب |
| ولا مثلها في غير شيء يطلق | فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها |
وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له، فقال ارجعها، فقال قد أرجعتها، ثم أشرف على غلام له، فقال له أنت حر وأشهد أني أرجعت عاتكة ثم ضمها إليه، وقال حين راجعها:
| ليهنك أني لا أرى فيك سخطة | وأنك قد حلت عليك المحاسن |
| فإنك ممن زين الله أمره | وليس لما قد زين الله شائن |
وكان عبد الله بن أبي بكر قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف، فرمي بسهم فأصابه، فانتقض الجرح بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين ليلة، فمات على أثر ذلك الجرح، فقامت زوجة عاتكة ترثيه وتقول:
| رزيت بخير الناس بعد نبيهـم | وبعد أبي بكر وما كان قصرا |
| فآليت لا تنفك عيني سخينة | عليك ولا ينفك جلدي أغبرا |
| مدى الدهر ما غنت حمامة أيكة | وما طر الليل الصباح المنورا |
| فالله عيناً من رأى مثل لهفتي | أكر وأحمى في الجهاد وأصبرا |
| إذا شرعت فيه الأسنة خاضها | إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا |
وقد وردت رواية أخرى للأبييات، وهي:
| وآليت لا تنفك عيني حزينة | عليك ولا ينفك جلدي أغبرا |
| فاللّه عيناً من رأى مثله فتى | أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا |
| إذا شرعت فيه الأسنة خاضها | إلى الموت حتى يترك الجون أشقرا |
ومن شدة كلف عبد الله بن أبي بكر بعاتكة أعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده، فظلت عاتكة بعد وفاته بدون زوج لمدة ثلاث سنوات.

للفائدة نكمل قصة عاتكة حتى وفاتها.
وفي سنة اثنتي عشرة من الهجرة تزوج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بابنة عمه عاتكة بنت زيد بعد أن استفتى علياً رضي الله عنه في ذلك، فأفتى بأنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها، وآليت لا تنفك البيت، ثم قال كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، (ويقال إن زيدا أخاه قد تزوج بها قبله). وكانت عاتكة قد احتلت عند عمر بن الخطاب مكانة رفيعة، واقتبست كثيراً من علمه وزهده، وعندما قتل رضي الله عنه بخنجر أبي لؤلؤة المجوسي قامت عاتكة ترثيه وتقول:
| عين جودي بعبرة ونحيب | لا تملي على الإمام النجيب |
| قل لأهل الضراء والبؤس موتوا | قد سقته المنون كأس شعوب |
ثم تزوجت بعده بالزبير بن العوام رضي الله عنه، وكان الزبير رضي الله عنه غيورا فمنعها من الخروج من البيت مخافة الفتنة ولكنها ذكرته بحديث رسول الله (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن تفلات) أي غير متعطرات. فتركها ولكنها بعد ذلك التزمت بيتها طاعة لزوجها. عاشت معه إلى أن قتل غيلة يوم الجمل بوادي السباع على يد عمرو بن جرموز سنة ست وثلاثين من الهجرة، فرثته قائلة:
| غدر ابن جرموز بفارس بهمة | يوم اللقاء وكان غير معرد |
| ياعمرو لو نبهته لوجدته | لا طائشاً رعش البنان ولا اليد |
| ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله | فيما مضى مما تروح وتغتدي |
| كم غمرة خاضـها لم تثنه | عنها طرادك يا ابن فقع الفدفد |
| والله ربك إن قتلت لمسلماً | حلت عليك عقـوبة المتعمد |
وخطبها علي فقالت إني لأضن بك عن القتل، وكان ابن عمر يقول من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة.
تزوجت بعد الزبير بالحسين بن علي، وأحبته (وشهدت مصرعه في كربلاء)، بعد ذلك رحلت مع زينب إلى مصر ولم تتزوج حتى لقيت ربها.
وكان قد خطبها مروان بعد الحسين، فقالت ما كنت متخذة حموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زوجة الشهداء عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوية القرشية، صحابية كريمة، هي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة.
أمها أم كريز بنت الحضرمي، وخالها العلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور، وخالتها الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة أيضاً.
كانت عاتكة رضي الله عنها من المسلمات العابدات وحافظة للقرآن وشاعرة مجيدة، وذات خلق بارع، وصاحبة عقل راجح ورأي سديد، تتمتع بجمال باهر، وكانت حيية تقية.
ويقال أنها كلما كبرت في السن ازدادت جمالا، توفيت عاتكة في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة إحدى وأربعين.
كلمات مفتاحية : التلاق بعد الفراق • تزيين الأسواق في أخبار العشاق • زوجة الشهداء
المواضيع(RSS)
رضي الله عنهم جميعاً